الحسين بن نصر ابن خميس
16
مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار
ولكن أكره أن تراه منصرفا في بعض حالاته من عبادة ربّه ، فتتوهّم عليه جفاء ، وإن كنت واللّه أعرفه الرّجل الكريم العشرة ، الحسن الخلق ، من شاهده من لينه ودماثة « 1 » أخلاقه ، [ ظنّ ] أنّه داخل في حكم العامّة . فقال لي : ما عزمت على لقائه حتّى وطّنت نفسي على احتمال مشاهدة أخلاقه . ثمّ قال : ويحك يا سفيان ، إنّ شرف التقوى لا يزاحم شرف « 2 » عليه بإمرة ولا خلافة . فأدّيت ذلك إلى فضيل ، فقال : إنّه لحسن العقل ، لولا ما ضرب به من فتنة هذه العاجلة ، ويسرّني أن يلقاني ويسوءني [ أيضا ] ، فأمّا ما يسرّني من لقائه فأرجو أن يكون لي فيه بعض الكبحات عن غيّه ، وأمّا الذي يسوءني منه فلم أر مثله يرفل في سوابغ النّعم عريانا من الشّكر . ثمّ قطب بين عينيه وقال : ما قدر من كان للّه عاصيا ؟ ! لا حاجة لي في لقائه . فلم أزل أرفق به حتّى أذن له . فرجعت إلى الرّشيد ، فأعلمته ، وقلت له : لست تطمع فيه إلّا وقت إفطاره . وكان إفطاره كاختطاف الطّائر حبّة ، فركب الرّشيد ، ولبس مبطنة وطيلسانا « 3 » ، وغطّى رأسه ، ومعه مسرور الخادم وأنا . فدققت « 4 » عليه الباب ، فنزل وفتح ودخل ، ودخلت معه ، ووقف مسرور على الباب ، فسلّم عليه الرّشيد قائما ، فتشمّم « 5 » منه رائحة المسك ، فقال الفضيل : اللّهمّ ، إنّي أسألك رائحة الخلد الذي أعددتها لأوليائك المتّقين في جنات النّعيم . ثمّ تبادرت دموعه على لحيته ، فقال له : يا أبا عليّ ، هذا أمير المؤمنين واقف يسلّم عليك . فرفع رأسه ، وقال :
--> ( 1 ) كتب تحتها : سهولة . ( 2 ) في المختار 4 / 198 : لا يزاحم عليه بشرف . ( 3 ) في المختار 4 / 199 : مبطنه وطيلسانه . ( 4 ) في ( أ ) : فقد فت . ( 5 ) في المختار 4 / 199 : فشم .